سليمان بن موسى الكلاعي
200
الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله ( ص ) والثلاثة الخلفا
إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم ، فإن قومهم أعلى بهم عينا « 1 » ، وأعلم بما عابوا عليهم ؛ فقالوا لهما : نعم . ثم إنهما قربا هداياهما إلى النجاشي فقبلها ، ثم قالا له : أيها الملك ، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومهم ، ولم يدخلوا في دينك ، جاؤوا بدين ابتدعوه ، لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم عليهم ، فهم أعلى بهم عينا ، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه . قالت : ولم يكن شئ أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة ، وعمرو بن العاص من أن لا يسمع كلامهما النجاشي . فقالت بطارقته : صدقا أيها الملك ، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم ، فأسلمهم إليهما ، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم . فغضب النجاشي ، ثم قال : لاها الله ، إذا لا أسلمهم إليهما ، ولا يكاد قوم جاورونى ونزلوا بلادي ، واختارونى على من سواي ، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم ، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ، ورددتهم إلى قومهم ، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم ، وأحسنت جوارهم ما جاورونى . ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، فدعاهم فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ، ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمنا ، وما أمرنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن . فلما جاؤوا ، وقد دعا النجاشي أساقفته ، فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ، ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ . قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب ، قال : أيها الملك ، كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتى الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسىء الجوار ، ويأكل القوى منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . قالت : فعدد عليه أمور الإسلام .
--> ( 1 ) أعلى بهم عينا : أي أبصر بهم ، وقيل : أي عينهم وأبصارهم فوق عين غيرهم .